محمد أبو زهرة
1618
زهرة التفاسير
صدر النص السامي بالنداء للذين آمنوا ، للإشارة إلى أن ذلك لا يتفق مع الإيمان ، بل إنه من مظالم الجاهلية . وإذا كان مثله يصدر عن أهل الشرك ، فإنه لا يسوغ مع الإيمان ، ولا يليق أن يصدر عن المؤمنين ؛ لأن حقوق الأشخاص لا تورث ، وليست المرأة ولا حق زواجها متاعا يقبل التوريث . ولقد روى الزهري أنه كان من عادات أهل الجاهلية أنه إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة ، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ، ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها من الزواج ، أي منعها منعا مشدّدا لتفتدى نفسها بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها ! ! ومغزى هذه الرواية أنهم يجدون لهم حقا في إمساكها ومنعها من الزواج ، بما كان قد دفع لها زوجها من صداق ، وبما كان له عليها من حق الإمساك . ونهى القرآن الكريم عن ذلك بقوله : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ، ومعنى النص الكريم على هذا أنه لا يصح أن يرث أولياء الميت حق تزويج نساء المتوفين كرها عنهن من غير توكيل ، فليس الميراث هو ميراث ذات المرأة كزوجة ، بحيث يملك زواجها بغير عقد ، بل المراد حق تزويجها من نفسه أو من غيره ، من غير أن تكون لها إرادة حرة في الزواج . وبعض العلماء فهم أن المراد من الميراث هو ميراث الزوجية نفسها ، بحيث تكون المرأة زوجا من غير عقد ، كما فهم آخرون أن المراد لا يحل أن ترثوا أموالهن . ولكن الظاهر من مجموع الروايات ، أن المراد بالميراث هو ميراث حق التزويج ، وميراث ما أعطيت من صداق . وقد عبر الله سبحانه وتعالى - ولكلامه المثل الأعلى - عن النهى عن هذا العمل بقوله تعالى : لا يَحِلُّ بدل لا ترثوا للإشارة إلى أنه أمر غير مستحسن في ذاته ، فهو في ذاته غير حلال وغير لائق ، فلا يحتاج في نفى الحل إلى نهى ينشئ التحريم ، بل إن الفطرة السليمة تدرك عدم